هبة الله بن علي الحسني العلوي
223
أمالي ابن الشجري
وقوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي لا تتجاوزهم عيناك ، من قولهم « 1 » : لا تعد هذا الأمر ، ولا تتعدّه ، أي لا تتجاوزه ، ولكنه أوصل إلى المفعول بعن ، حملا على المعنى ، لأنك إذا جاوزت الشئ وتعدّيته فقد انصرفت عنه ، فحمل لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ على : لا تنصرف عيناك عنهم ، وبهذا اللّفظ فسّره الفرّاء « 2 » ، ولهذا نظائر في القرآن ، وفي شعر العرب ، فمنها تعدية الرّفث بإلى في قوله تعالى جدّه : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ « 3 » وأنت لا تقول : رفثت إلى النّساء ، ولكنه جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملامسة في مثل قوله تعالى : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ « 4 » ومنها تعدية الإحماء في قوله : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ « 5 » وهو متعدّ بنفسه في قولك : أحميت الحديدة ، قال « 6 » الشاعر « 7 » : إن تك جلمود صخر لا أؤيّسه « 8 » * أو قد عليه فأحميه فينصدع أؤيّسه : أذلّله ، وإنما حمل « يحمى » على يوقد ، لأن الإيقاد عليها هو السبب
--> ( 1 ) في ه : قوله . ( 2 ) معاني القرآن 2 / 140 . ( 3 ) سورة البقرة 187 ، وراجع تفسير القرطبي 2 / 316 ، فقد أورد معظم ما ذكره ابن الشجري من حمل الأفعال بعضها على بعض في التعدّى . وانظر المغنى ص 762 ( الباب الثامن ، القاعدة الثالثة ) وهو مبحث التضمين . وانظر التمام في تفسير شعر هذيل ص 205 ، 229 ، وأحال ابن جنى على موضع سابق في كتابه تحدّث فيه عن التضمين في الآية الكريمة ، ولم أجده في المطبوع من كتاب التمام ، مما يدل على أن مخطوطة الكتاب ناقصة . ( 4 ) سورة النساء 21 . ( 5 ) سورة التوبة 35 . ( 6 ) في ه : « وقال » بإقحام الواو . ( 7 ) العباس بن مرداس ، كما في اللسان ( بصر - أبس ) ، وصدر البيت من غير نسبة في المقاييس 1 / 164 ، وقصيدة العباس في الأغانى 18 / 83 ، 84 ، وليس فيها هذا البيت الشاهد . ونسب إلى خفاف بن ندبة . ديوانه ص 135 ، وتخريجه فيه . ( 8 ) هكذا « أؤيّسه » بالياء التحتية ، وكذلك في المقاييس ، مع رواية « يؤيّسه » . والذي في اللسان في الموضعين : « أؤبّسه » بالباء الموحدة ، والفعلان يرجعان إلى معنى واحد ، هو التذليل والتأثير في الشئ .